فصل
فيما يتعلق (1) بهذا الباب

عن زيد بن أسلم قال : مات لداود عليه السلام ولد ، فحزن عليه حزناً كثيراً ،
فأوحى الله إليه : « يا داود ، ما كان يعدل هذا الولد عندك ؟ قال : يا رب ، كان يعدل
هذا عندي ملء الأرض ذهباً ، قال : فلك عندي يوم القيامة ملء الأرض ثواباً »
(2) .

وعن داود بن أبي هند
(3) قال : رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت ، وكأن
الناس يدعون إلى الحساب ، قال : فقربت إلى الميزان ، ووضعت حسناتي في كفة
وسيئاتي في كفة ، فرجحت السيئات على الحسنات ، فبينما أنا كذلك مغموم إذ اُتيت
بمنديل أبيض ـ أو خرقة بيضاء ـ فوضعت مع حسناتي فرجحت ، فقيل لي : أتدري
ما هذا ؟ قلت : لا ، قيل : هذا سقط كان لك ، قلت : فإنه كانت لي إبنة ، ( فقيل : بنتك
ليست كذلك )
(4) ، لأنك كنت تتمنى موتها .

وعن أبي شوذب : ان رجلاً كان له ابن لم يبلغ الحلم ، فأرسل إلى قومه فقال :
لي إليكم حاجة ، قالوا : ما هي ؟ قال : إني أريد أن أدعو على ابني هذا أن يقبضه الله
تعالى ، وتؤمنون على دعائي ، قال : فسألوه عن سبب ذلك ، فأخبرهم أنه رأى في نومه
(5)
كأن الناس قد جمعوا ليوم القيامة ، وأصابهم عطش شديد ، فإذا الولدان قد خرجوا من
الجنة معهم الأباريق ، وفيهم ابن أخ له ، فالتمس منه أن يسقيه فأبى ، وقال : يا عم ، إنا
لا نسقي إلا الآباء ، فأحببت أن يجعل الله ولدي هذا فرطاً لي ، فدعا فأمنوا ، فلم يلبث
الصبي حتى مات .

أخرجه البيهقي في ( الشعب ) .

وعن محمد بن خلف
(6) قال : كان لإبراهيم الحربي ابن له إحدى عشرة سنة قد
____________
(1) في نسخة « ش » : مما يلتحق .
(2) رواه الشيخ ورام في تنبيه الخواطر 1 : 287 ، والسيوطي في الدر المنثور 5 : 306 باختلاف في الفاظه .
(3) في « ح » : داود بن هند ، والصواب ما أثبتناه من نسخة « ش » راجع « مجمع الرجال 2 : 279 ، الجرح
والتعديل 3 : 411 | 1881 ، تهذيب التهذيب 3 : 204 | 388 ، ميزان الأعتدال 2 : 11 | 2613 » .
(4) في نسخة « ش » : فقيل لي تيك ليست لك .
(5) في نسخة « ش » : منامه .
(6) في « ح » محمد بن أبي خلف ، والصواب ما أثبتناه من نسخة « ش » ، راجع « رجال النجاشي : 270 ، ومعجم
=
( 43 )
حفظ القرآن ، ولقنه أبوه من الفقه والحديث شيئاً كثيراً ، فمات فأتيته لاعزيه ، فقال :
كنت أشتهي موته ، فقلت له : يا أبا إسحاق ، أنت عالم الدنيا ، تقول مثل هذا في صبي قد
أنجب ، وحفظ القرآن ، ولقنته الحديث والفقه ؟ ! قال : نعم ، رأيت في النوم كأن القيامة
قد قامت ، وكأن صبياناً بأيديهم القلال
(1) فيها ماء ، يستقبلون الناس يسقونهم ، وكان
اليوم يوم يوماً حاراً شديد الحر . فقلت لأحدهم : إسقني من هذا الماء . فنظر إلي ، وقال :
لست أنت أبي ، قلت : فأي شيء أنتم ؟ قالوا : نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا ،
وخلفنا آباءنا ، فنستقبلهم ونسقيهم
(2) ، فلهذا تمنيت موته .

وروى الغزالي في ( الإحياء ) : إن بعض الصالحين كان يعرض عليه التزويج
برهة من دهره فيأبى ، قال : فانتبه من نومه ذات يوم ، وقال : زوجوني ، فزوجوه ، فسئل
عن ذلك ، فقال : لعل ( الله أن يرزقني )
(3) ولداً ويقبضه ، فيكون لي مقدمة في الآخرة ،
ثم قال : رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت ، وكأني في جملة الخلائق في الموقف ، وبي
من العطش ما كاد أن يقطع قلبي ، وكذا الخلائق من شدة العطش والكرب ، فبينما نحن
كذلك وإذا ولدان يتخللون الجمع ، عليهم قناديل من نور ، وبأيديهم أباريق من فضة
وأكواب من ذهب ، يسقون الواحد بعد الواحد ، يتخللون الجمع ويتجاوزون أكثر
الناس ، فمددت يدي إلى أحدهم ، فقلت : اسقني ، فقد أجهدني العطش ، فقال : مالك
فينا ولد ، إنما نسقي آباءنا ، فقلت : ومن أنتم : ومن أنتم ؟ قالوا : نحن من مات من أطفال
المسلمين
(4) .

وحكى الشيخ أبو عبد الله بن النعمان في كتاب ( مصباح الظلام ) عن بعض
الثقات : أن رجلاً أوصى بعض أصحابه ـ ممن أراد أن يحج ـ أن يقرأ سلامه
رسول الله صلى الله عليه وآله ، ويدفن رقعة مختومة ـ أعطاها له ـ عند رأسه الشريف ،
ففعل ذلك ، فلما رجع من حجه أكرمه الرجل وقال له : جزاك الله خيراً ، لقد بلغت
الرسالة ، فتعجب المبلغ من ذلك وقال : من أين علمت تبليغها قبل أن اُحدثك ، فأنشأ
يحدثه ، قال : كان لي أخ مات ، وترك ابناً صغيراً ، فربيته وأحسنت تربيته ، ثم مات
____________
=
رجال الحديث 16 : 74 ، خلاصة العلامة 1 : 161 | 154 » .
(1) القلال جمع القلة : وهي الحب العظيم أو الجرة العظيمة « القاموس المحيط 4 : 40 » .
(2) في نسخة « ش » : فنسقيهم الماء .
(3) في نسخة « ش » : الله تعالى يرزقني .
(4) إحياء علوم الدين 2 : 27 .
( 44 )
قبل أن يبلغ الحلم ، فلما كان ذات ليلة ، رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت ، والحشر
قد وقع ، والناس قد اشتد بهم العطش من شدة الجهد ، وبيد ابن أخي ماء ، فالتمست أن
يسقيني فأبى ، وقال : أبي أحق به منك ، فعظم علي ذلك ، فانتبهت فزعاً ، فلما أصبحت
تصدقت بجملة دنانير ، وسألت الله أن يرزقني ولداً ذكراً ، فرزقنيه ، واتفق سفرك ،
فكتبت لك تلك الرقعة ، ومضمونها التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله
عزوجل في قبوله مني ، رجاء أن أجده يوم الفزع الأكبر ، فلم يلبث أن حم ومات ، وكان
ذلك يوم وصولك ، فعلمت أنك بلغت الرسالة .

وفي كتاب ( النوم والرؤيا ) لأبي الصقر الموصلي ، حدثني علي بن الحسين بن
جعفر ، حدثني أبي ، حدثني بعض أصحابنا ممن أثق بدينه وفهمه ، قال : أتيت المدينة
ليلاً ، فنمت في بقيع الغرقد
(1) بين أربعة قبور عندها قبر محفور ، فرأيت في منامي أربعة
أطفال ، قد خرجوا من تلك القبور ، وهم يقولون :
| أنعــم الله بالــحبيبـــة عينـــاً | * | وبـــمسراك يا اميم إلينـــا |
| عجباً مـــا عجبت مــن ضغـظة | * | القبر ومغداك يا اُميم إليـنـــا |

فقلت : إن لهذه الأبيات لشأناً ، وأقمت حتى طلعت الشمس ، وإذا جنازة قد
أقبلت ، فقلت : من هذه ؟ فقالوا : امرأة من أهل المدينة ، فقلت : إسمها اميمة ؟ قالوا :
نعم ، قلت : قدمت فرطاً ؟ قالوا : أربعة اولاد ، فأخبرتهم بالخبر ، فأخذوا يتعجبون من
هذا
(2) .

وما أحسن من أنشد بعض الأفاضل ، يقول شعراً :
| عطيته إذا أعطى ســـروراً | * | وإن سلب الـذي أعطى أثـابــا |
| فأي النعمتيـن أعـد فضـلاً | * | وأحمـد عـنـد عــقباهـا إيابا |
| أنعمته التي كانت ســـروراً | * | أم الاخرى التي جلبت ثـوابــا ؟ |
____________
(1) بقيع الغرقد : بالغين المعجمة ، هو مقبرة أهل المدينة « معجم البلدان :1 : 473 » .
(2) البحار 82 : 122 .
( 45 )
الباب الثاني
في الصبر وما يلحق به

الصبر في اللغة : حبس النفس من الفزع من المكروه والجزع عنه ، وإنما يكون
ذلك بمنع باطنه من الاضطراب ، وأعضائه من الحركات غير المعتادة ، وهو ثلاثة أنواع :

الأول : صبر العوام ، وهو حبس النفس على وجه التجلد ، وإظهار الثبات في
النائبات ، ليكون حاله عند العقلاء وعامة الناس مرضية يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا
وهم عن الآخرة هم غافلون
(1) .

الثاني : صبر الزهاد ، والعباد ، وأهل التقوى ، وأرباب الحلم ، لتوقع ثواب
الآخرة ، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب
(2) .

الثالث : صبر العارفين ، فإن لبعضهم التذاذاً بالمكروه ، لتصورهم أن معبودهم
خصهم به من دون الناس ، وصاروا ملحوظين ( بشرف نظرته )
(3) وبشر الصابرين الذين
إذا أصابتهم مصيبة ، قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة
وأولئك هم المهتدون
(4) .

وهذا النوع يختص باسم الرضا ، وسيأتي في باب خاص .

والأول لا ثواب عليه ، لأنه لم يفعله لله ، وإنما فعله لأجل الناس ، بل هو في
الحقيقة رياء محض ، فكلما ورد في الرياءات فيه ، ولكن الجزع شر منه ، لأن النفوس
البشرية تميل إلى التخلق بأخلاق النظراء والمعاشرين والخلطاء ، فيفشوا الجزع فيهم ،
وإذا رأوا أحوال الصابرين مالت نفوسهم إلى التخلق بأخلاقهم ، فربما صار ذلك سبباً
لكمالهم ، فيحصل منه فائدة في نظام النوع ، وإن لم يعد على هذا الصابر .

والصبر عند الإطلاق يحمل على القسم الثاني .

واعلم أن الله ـ سبحانه ـ قد وصف الصابرين بأوصاف ، وذكر الصابرين في
القرآن في نيف وسبعين موضعاً ، وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر وجعلها
____________
(1) اقتباس من سورة الروم 30 : 7 .
(2) اقتباس من سورة الزمر 39 : 10 .
(3) في نسخة « ش » : بشريف نظره .
(4) اقتباس من سورة البقرة 2 : 155 ـ 157 .
( 46 )
ثمرة له ، فقال عز من قائل : (
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ اَئِمّةً يَهْدُونَ بِاَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا )
(1) وقال :
(
وتَمَتْ كَلَمَتُ رَبِكَ الْحُسْنى عَلَى بَني اِسْرَآئيلَ بِمَا صَبَرُوا) (2) وقال تعالى :
(
وَلَنَجْزينَّ الذينَ صَبَروا اجْرَهُم بِاحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون )
(3) وقال :
(
اُلئِكَ يُؤْتَوْنَ اَجْرَهُمْ مَرَّتَيْن بِمَا
صَبَرُوا )
(4) وقال : (
انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب )
(5) .
ــ
فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر ، ولأجل كون الصوم من
الصبر ، وأنه نصف الصبر
(6) كان لا يتولى أجره إلا الله ـ تبارك وتعالى ـ كما ورد في
الأثر .

قال الله تعالى : « الصوم لي ، وأنا اجزي به »
(7) فأضافه إلى نفسه من بين سائر
العبادات ، ووعد الصابرين بأنه معهم ، فقال : (
واصبروا ان الله مع الصابرين )
(8) وعلق
النصرة على الصبر ، فقال : (
بلى إن تصبروا وتتّقوا ويا توكم من فورهم هذا يمددكم ربُكم
____________
(1) السجدة 32 : 24 .
(2) الأعراف 7 : 137 .
(3) النحل 16 : 96 .
(4) القصص 28 : 54 .
(5) الزمر 39 : 10 .
(6) روى ابن ماجة في سننه 1 : 555 | 1745، والسيوطي في الجامع الصغير 2 : 122 | 5200 : « الصيام نصف
الصبر » .
(7) رواه الصدوق في الخصال : 45 | 42 ، ومالك في الموطأ 1 : 310 | 58 ، والبخاري في صحيحه 3 : 31 ، وابن
ماجة في سننه 2 : 1256 | 3823 ، وقال ابن الاثير في النهاية : 1 : 270 بعد ذكر الحديث : قد أكثر الناس في
تأويل هذا الحديث ، وأنه لم خص الصوم والجزاء عليه بنفسه عزوجل ، وإن كانت العبادات كلها له
وجزاؤها منه ، وذكروا فيه وجوهاً مدارها كلها على أن الصوم سر بين الله وبين والعبد لا يطّع عليه سواه ، فلا يكون
العبد صائماً حقيقة إلا وهو مخلص في الطاعة ، وهذا وإن كان كما قالوا فإن غير الصوم من العبادات يشاركه
في سر الطاعة ، كالصلاة على غير طهارة ، أو في ثوب نجس ونحو ذلك من الأسرار المقترنة بالعبادات التي
لا يعرفها إلا الله وصاحبها . وأحسن ما سمعت في تأويل هذا الحديث أن جميع العبادات التي يتقرب بها
العباد إلى الله عزوجل ـ من صلاة ، وحج ، وصدقة ، واعتكاف ، وتبتل ، ودعاء ، وقربان ، وهدي ، وغير ذلك
من أنواع العبادات ـ قد عبد المشركون بها آلهتهم ، وما كانوا يتخذونه من دون الله أنداداً ، ولم يسمع أن طائفة
من طوائف المشركين وأرباب النحل في الأزمان والمتقادمة عبدت آلهتها بالصوم ، ولا تقربت إليها به ، ولا عرف
الصوم في العبادات إلا من جهة الشرائع ، فلذلك قال الله عزّوجلّ : الصوم لي وأنا أجزي به : أي لم يشاركني
أحد فيه ، ولا عبد به غيري ، فأنا حينئذ اجزء به وأتولى الجزاء عليه بنفسي ، لا أكله إلى أحد من ملك
مقرب أو غيره على قدر اختصاصه بي .
(8) الأنفال 8 : 46 .
( 47 )
بخمسة آلاف من الملائكة مسومين )
(1) . وجمع للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم ،
فقال : (
اولئك عليه صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون )
(2) فالهدى
والصلوات والرحمة مجموعة للصابرين ، واستقصاء جميع الآيات في مقام الصبر يطول .
وأما الأخبار فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « الصبر نصف
الإيمان »
(3) .

وقال صلى الله عليه وآله : « من أقل ما اوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ، ومن اعطي
حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار ، ولئن تصبروا على مثل ما أنتم
عليه ، أحب إلي من أن يوافيني كل امرئ منكم بمثل عمل جميعكم ، لكني أخاف ان
تفتح عليكم الدنيا بعدي ، فينكر بعضكم بعضاً ، وينكركم أهل السماء عند ذلك ، فمن
صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه ، ثم قرأ : (
ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين
الذين صبروا ) الآية »
(5) .

وروى جابر : أنه صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الإيمان ، فقال : « الصبر
كنز من كنوز الجنة » ، وسئل مرة ؟ ما الايمان ، فقال : « الصبر »
(6) وهذا نظير قوله
عليه السلام : « الحج عرفة »
(7) .

وقال صلى الله عليه وآله : « أفضل الاعمال ما اكرهت عليه النفوس »
(8) .

وقيل : أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام : « تخلق باخلاقي ، وإن من أخلاقي الصبر »
(9) .
____________
(1) آل عمران 3 : 125 .
(2) البقرة : 2 : 157 .
(3) شهاب الأخبار : 55 | 132 ، شرح نهج البلاغة لابن الحديد 1 : 319 ، الجامع الصغير 2 : 113 | 5130 ،
الترغيب والترهيب 4 : 277 | 5 ، المستدرك على الصحيحين 2 : 446 ، الدر المنثور 1 : 66 ، إرشاد القلوب :
127 .
(4) النحل 16 : 96 .
(5) أخرجه الفيض الكاشاني في المحجة البيضاء 7 : 106 .
(6) المحجة البيضاء 7 : 107 .
(7) مسند أحمد 4 : 309 ، 310 ، 335 ، سنن ابن ماجة 2 : 1003 | 3015 ، سنن الدارمي 2 : 59 ، سنن الترمذي
4 : 282 | 4058 ، وسنن النسائي 5 : 256 ، المستدرك على الصحيحين 1 : 464 .
(8) رواه الشيخ ورام في تنبيه الخواطر عن علي عليه السلام 1 : 63 باختلاف يسير .
(9) إرشاد القلوب : 137 ، المحجة البيضاء 7 : 207 باختلاف في الفاظه .
( 48 )

وعن ابن عباس رضي الله عنه لما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على
الأنصار ، فقال : « أمؤمنون أنتم ؟ » فسكتوا ، فقال رجل : نعم ، يا رسول الله . فقال : « وما
علامة إيمانكم ؟ » قالوا : نشكر على الرخاء ، ونصبر على البلاء ، ونرضى بالقضاء ، فقال :
« مؤمنون ورب الكعبة »
(1) .

وقال صلى الله عليه وآله : « في الصبر على ما يكره خير كثير »
(2) .

وقال المسيح عليه السلام : « إنكم لا تدركون ما تحبون ، إلا بصبركم على
ما تكرهون » .

وقال صلى الله عليه وآله : « لو كان الصبر رجلا لكان كريماً »
(3) .

وقال علي عليه السلام : « بني الإيمان على أربع دعائم : اليقين ، والصبر ،
والجهاد ، والعدل »
(4) .

وقال أيضاً : « الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، ولا جسد لمن لا رأس
له ، ولا ايمان لمن لا صبر له »
(5) .

وقال علي عليه السلام : « عليكم بالصبر ، فإنه به يأخذ الحازم ، وإليه يعود
الجازع » .

وقال علي عليه السلام : « إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور ، وإن
جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور »
(6) .

وعن الحسن بن علي عليهما السلام ، عن النبي صلى الله عليه وآله ، قال : « إن في
الجنة شجرة يقال لها : شجرة البلوى ، يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة ، فلا يرفع لهم ديوان ،
ولا ينصب لهم ميزان ، يصب عليهم الأجر صباً ، وقرأ عليه السلام : (
انما يوفى
الصابرون اجرهم بغير حساب )
(7) »
(8) .
____________
(1) المحجة البيضاء 7 : 107 ، ورواه باختلاف في ألفاظه محمد بن همام في التمحيص : 61 | 137 .
(2) مشكاة الأنوار : 20 ، والمحجة البيضاء 7 : 107 .
(3) تنبيه الخواطر 1 : 40 ، الجامع الصغير 2 : 434 | 7461 ، منتخب كنز العمال 1 : 208 .
(4) نهج البلاغة 3 : 157 | 30 باختلاف في ألفاظه .
(5) نهج البلاغة 3 : 168 | 82 ، الكافي 2 : 72 | 4 و 5 ، جامع الأخبار : 135 باختلاف يسير ، وروي باختلاف
في ألفاظه في التمحيص : 64 | 148 ومشكاة الأنوار : 21 .
(6) نهج البلاغة 3 : 224 | 291 ، جامع الأخبار : 136 .
(7) الزمر 39 : 10 .
(8) الدر المنثور 5 : 323 .
( 49 )

وعنه عليه السلام ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « ما من جرعة أحب
إلى الله تعالى من جرعة غيظ كظمها رجل ، أو جرعة صبر على مصيبة ، وما من قطرة
أحب إلى الله تعالى من قطرة دمع من خشية الله ، أو قطرة دم أهرقت في سبيل الله »
(1) .

وعنه عليه السلام : « المصائب مفاتيح الأجر » .

وعن زين العابدين عليه السلام : « إذا جمع الله الأولين والآخرين ينادي منادٍ :
أين الصابرون ؟ ليدخلوا الجنة بغير حساب ، قال : فيقوم عنق من الناس ، فتتلقاهم
الملائكة ، فيقولون : إلى أين ، يا بني آدم ؟ ! فيقولون : إلى الجنة ، فيقولون : وقبل
الحساب ؟ ! فقالوا : نعم ، قالوا : ومن أنتم ؟ قالوا : الصابرون . قالوا وما كان صبركم ؟
قالوا : صبرنا على طاعة الله ، وصبرنا عن معصية الله ، حتى توفانا الله عزوجل ، قالوا، أنتم
كما قلتم ، أدخلوا الجنة ، فنعم أجر العاملين »
(2) .

وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « قال الله عزوجل :
إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ، ثم أستقبل ذلك بصبر
جميل ، استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً ، أو أنشر له ديواناً »
(3) .

وعن أبن مسعود ، عنه صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : « ثلاث من رزقهن فقد
رزق خير الدارين : الرضا بالقضاء ، والصبر على البلاء ، والدعاء في الرخاء »
(4) .

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله ،
فقال : « يا غلام ـ أو ياغليم ـ ألا اعلمك كلمات ينفعك الله بهن ؟ فقلت : بلى ، فقال :
إحفظ الله يحفظك ، إحفظ الله تجده أمامك ، تعرف ( إلى الله )
(5) في الرخاء يعرفك في
الشدة ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن في الصبر على
ما تكره خيراً كثيراً ، وأنّ النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر
يسراً »
(6) .
____________
(1) الدر المنثور 2 : 74 .
(2) كشف الغمة 2 : 103 باختلاف يسير ، وروي باختلاف في الفاظه في أمالي الطوسي 1 : 100 ، وفقه
الرضا : 368 ، وتنبيه الخواطر 2 : 180 .
(3) جامع الأخبار : 136 ، الجامع الصغير 2 : 242 | 6043 ، منتخب كنز العمال 1 : 210 .
(4) دعوات الراوندي : 121 | 289 ، المستطرف 2 : 70 ، باختلاف يسير .
(5) في « ح » : إليه .
(6) مسند أحمد 1 : 307 ، الدر المنثور 1 : 66 . وروي باختلاف يسير في مشكاة الانوار : 20 .
( 50 )

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : « يؤتى الرجل في قبره بالعذاب ، فإذا أُتي من
قبل رأسه دفعه تلاوة القرآن ، وإذا أُتي من قبل يديه دفعته الصدقة ، وإذا أتي من قبل
رجليه دفعه مشيه إلى المسجد
(1) ، والصبر حجزه ، يقول : أما لو رأيت خللاً لكنت
صاحبه » .

وفي لفظ آخر : « إذا دخل الرجل القبر قامت الصلاة عن يمينه ، والزكاة عن
شماله ، والبر يظل عليه ، والصبر بناحية
(2) يقول : دونكم صاحبي ، فإني من ورائه ،
يعني : إن استطعتم أن تدفعوا عنه العذاب ، وإلا فأنا أكفيكم ذلك ، وأدفع عنه
العذاب »
(3) .

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : « عجباً لأمر المؤمن ، إن أمره كله له خير ،
وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء
صبر فكان خيراً له »
(4) .

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : « ألا أجبكم إن المؤمن إذا أصاب خيراً حمد الله
وشكر ، وإذا اصابته مصيبة حمد الله وصبر ، فالمؤمن ، يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يرفعها
إلى فيه».

وفي حديث آخر : « حتى اللقمة يرفعها إلى فم امرأته »
(5) .

وعنه صلى الله عليه وآله : « الصبر خير مركب ، ما رزق الله عبداً خيراً له ولا
أوسع من الصبر »
(6) .

وسئل صلى الله عليه وآله : هل من رجل يدخل الجنة بغير حساب ؟ قال :
« نعم ، كل رحيم صبور » .

وعن أبي بصير ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : « إن الحر حر على
____________
(1) الترغيب والترهيب 4 : 373 .
(2) يقال : هو في ناحية أو بناحية أي مبتعد. انظر « مجمع البحرين ـ نحا ـ 1 : 410 » .
(3) روى عن أبي عبد الله في الكافي 2 : 73 | 8 ، وثواب الاعمال : 203 | 1 ومشكاة الانوار : 26 باختلاف في
الفاظه .
(4) مسند أحمد 4 : 332 ، صحيح مسلم 4 : 2295 | 2999 ، الترغيب والترهيب 4 : 278 | 7 .
(5) مسند أحمد 1 : 182 و 177 و 173 ، الجامع الصغير 2 : 148 باختلاف في الفاظه .
(6) مسند أحمد 3 : 47 ، سنن الترمذي 3 : 252 | 2093 ، المستدرك 2 : 414 ، الجامع الصغير 2 : 496 | 7911 .
وفيها : «ما رزق الله عبداً . . . . »
( 51 )
جميع أحواله ، إن نابته نائبة صبر لها ، وإن تراكمت عليه المصائب لم تكسره ، وإن أُسر
وقهر واستبدل باليسر عسراً ، كما كان يوسف الصديق الأمين عليه السلام ، لم يضرر
حريته أن استعبد وأُسر وقهر ، ولم تضرره ظلمة الجب ووحشته ، وما ناله أن من الله
عليه ، فجعل الجبار العاتي له عبداً بعد أن كان ملكاً ، فأرسله ورحم به أمة ، وكذلك
الصبر يعقب خيراً ، فاصبروا ووطنوا أنفسكم على الصبر تؤجروا »
(1) .
ــ
وعن الباقر عليه السلام : « الجنة محفوفة بالمكاره والصبر ، فمن صبر على المكاره
في الدنيا دخل الجنة ، وجهنم محفوفة باللذات والشهوات ، فمن اعطى نفسه لذّاتها
وشهوتها دخل النار»
(2).

وعن عليّ عليه السلام ، قال : «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : الصبر
ثلاثة : صبر عند المصيبة ، وصبر على الطاعة ، وصبر عن المعصية ، فمن صبر على المصيبة
حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاث مائة درجة ، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما
بين السماء إلى الأرض ، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ست مائة درجة ، ما بين
الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش ، ومن صبر عن المعصية كتب الله له
تسع مائة درجة ، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى
العرش »
(3) .

وعن أبي حمزة الثمالي ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : « من ابتلي من المؤمنين
ببلاء فصبر عليه ، كان له مثل أجر ألف شهيد »
(4) .

وعن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : « قال رسول الله
صلى الله عليه وآله : قال الله عزوجل : إني جعلت الدنيا بين عبادي قرضاً ، فمن أقرضني
منها قرضاً أعطيته بكل واحدة عشراً إلى سبعة مئة ضعف وما شئت من ذلك ، ومن لم
يقرضني منها قرضاً فأخذت منه شيئاً قسراً ، أعطيته ثلاث خصال ، لو أعطيت واحدة
منهن ملائكتي لرضوا بها مني .
____________
(1) الكافي 2 : 73 | 6 ، مشكاة الأنوار : 21 .
(2) الكافي 2 : 73 | 7 .
(3) الكافي 2 : 75 | 15 ، تنبيه الخواطر 1 : 40 ، جامع الأخبار : 135 ، الجامع الصغير 2 : 114 | 5137
منتخب كنز العمال 1 : 208 .
(4) رواه الكليني في الكافي 2 : 75 | 17 ، وسبط الطبرسي في مشكاة الأنوار : 26 رواه باختلاف في
ألفاظه الحسين بن سعيد الأهوازي في كتاب المؤمن : 16 | 8 ، وابن همام في التمحيص : 59 | 125 .
( 52 )

ثم تلا أبو عبد الله عليه السلام قول الله عزوجل : (
الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا
انا لله وانا اليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم ) فهذه
(1) واحدة من ثلاث
خصال (
ورحمة ) إثنان (
واولئك هم المهتدون )
(2) ثلاث .

ثم قال أبو عبد الله عليه السلام : « هذا لمن أُخذ منه شيئاً قسراً »
(3) .
____________
(1) في نسخة « ش » ثم قال أبو عبد الله عليه السلام : فهذه .
(2) البقرة 2 : 156 ـ 157 .
(3) الكافي 2 : 76 | 21 ، الخصال : 130 | 135 ، مشكاة الأنوار : 279 .
( 53 )
فصل

وعنه عليه السلام : « الضرب على الفخذ عند المصيبة يحبط الأجر
(1) ، والصبر
عند الصدمة الأولى أعظم ، وعظم الأجر على قدر المصيبة ، ومن استرجع بعد المصيبة
جدد الله له أجرها كيوم أُصيب بها » .

وسأل رجل النبي صلى الله عليه وآله : ما يحبط الأجر في المصيبة ؟ فقال :
« تصفيق الرجل بيمينه على شماله ، والصبر عند الصدمة الأولى ، فمن رضي فله الرضا ،
ومن سخط فعليه السخط » .

وعن اُم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله ، قالت : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وآله يقول : « ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ،
اللهم آجرني في مصيبتي ، واخلف لي خيراً منها ، إلا آجره الله تعالى في مصيبته ، واخلف
له خيراً منها » .

قالت : فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله ،
فأخلف لي خيراً منه : رسول الله صلى الله عليه وآله
(2) .

وفي لفظ آخر: أنّها سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول : «ما من مسلم
تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله عزّوجلّ : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، اللهّم آجرني في
مصيبتي ، واخلف لي خيراً منه» قالت: فلمّا مات أبو سلمة رضي الله عنه ، قلت : أيّ
رجل خير من أبي سلمة ! أول بيت هاجر إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله ، ثم إنّي قلتها
فأخلف الله لي رسول الله صلّى الله عليه وآله.

[ قالت : أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله ]
(3) بحاطب ابن أبي بلتعة يخطبني ،
فقلت له : إن لي بنتاً وأنا غيور ، فقال : « أما بنتها فادعوالله أن يغنيها عنها ، وأدعو الله أن
يذهب بالغيره »
(4) .

وفي حديث آخر : قالت : أتاني أبو سلمة يوماً من عند رسول الله صلى الله عليه
____________
(1) روى الصدوق في الفقيه 4 : 298 | 900 نحوه .
(2) صحيح مسلم 2 : 632 | 4 ، الترغيب والترهيب 4 : 336 | 2 باختلاف يسير .
(3) أثبتناه من البحار .
(4) الترغيب والترهيب 4 : 336 | 2 .
( 54 )
وآله فقال : سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله قولاً سررت به ، قال : « لا يصيب
أحداً من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول : اللهم آجرني في مصيبتي ،
واخلف لي خيراً منها ، إلا فعل ذلك به » . قالت اُم سلمة : فحفظت ذلك منه ، فلما
توفي أبو سلمة استرجعت وقلت : اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منه ، ثم رجعت
إلى نفسي فقلت : من أين لي خير من أبي سلمة : فلما انقضت عدتي استأذن علي
رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا ادبغ إهاباً
(1) ، فغسلت يدي من القرظ
(2) وأذنت له ،
فوضعت له وسادة أدم
(3) حشوها ليف فقعد عليها ، فخطبني إلى نفسي صلى الله عليه
وآله .

فلما فرغ من مقالته قلت : يا رسول الله ، ما بي أن لا يكون لك الرغبة ، ولكني
امرأة في غيرة شديدة ، فأخاف أن ترى مني شيئاً يعذبني الله به ، وأنا امرأة قد دخلت في
السن ، وأنا ذات عيال .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : « أما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل
الذي أصابك ، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي » قالت : فقد سلمت نفسي
لرسول الله ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقالت أم سلمة : فقد أبدلني الله
عزوجل بأبي سلمة خيراً منه : النبي صلى الله عليه وآله
(4) .

وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إن للموت
فزعاً ، فإذا أتى أحدكم وفاةُ أخيه فليقل : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وإنا إلى ربنا
لمنقلبون ، اللهم اكتبه عندك من المحسنين ، واجعل كتابه في عليين ، واخلف على عنقه
في الآخرين ، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده »
(5) .

وعن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام : « إن النبي صلى الله عليه
وآله قال : من اصابته مصيبة فقال إذا ذكرها : إنا لله وإنا إليه راجعون ، جدد الله
____________
(1) الإرهاب : الجلد من البقر والغنم والوحش ما لم يدبغ « لسان العرب 1 : 217 » .
(2) القرظ : شجر يدبغ به ، وقيل : هو ورق السلم يدبغ به الادم . ومنه اديم مقروظ . « لسان العرب 7 :
454 » .
(3) الأديم : الجلد ما كان ، وقيل الأحمر ، وقيل : هو المدبوغ « لسان العرب 12 : 9 » .
(4) مسند أحمد 4 : 27 ، والبحار 82 : 139 .
(5) الجامع الكبير 1 : 265 ، الفتوحات الربانية 4 : 124 ، والبحار 82 : 141 .
( 55 )
ـ عز وجل ـ له أجرها ، مثل ما كان له يوم أصابته »
(1) .
____________
(1) الجامع الكبير 1 : 747 ، والبحار 82 : 141 .
( 56 )
فصل

وعن يوسف بن عبد الله بن سلام : ان النبي صلى الله عليه وآله كان إذا نزل
بأهله شدة أمرهم بالصلاة ، ثم قرأ : (
وامر اهلك بالصلاة واصطبر عليها
)
(1)(2) .

وعن ابن عباس أنه نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر فاسترجع ، ثم تنحى عن
الطريق فأناخ ، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول :
(
واستعينوا بالصبر والصلاة وانها كبيرة إلا على الخاشعين )
(3) (4) .

وعنه أيضاً أنه كان إذا أُصيب بمصيبة قام وتوضأ وصلى ركعتين ، وقال :
اللهم قد فعلت ما أمرتنا ، فأنجز لنا ما وعدتنا .

وعن عبادة بن محمد بن عبادة بن الصامت ، قال : لما حضرت عبادة
ـ رضي الله عنه ـ الوفاة قال : أخرجوا فراشي إلى الصحن ـ يعني : الدار ـ ففعلوا ، ثم
قال : إجمعوا لي موالي وخدمي وجيراني ومن كان يدخل علي ، فجمعوا .

فقال : إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي علي من الدنيا ، وأول ليلة من
ليالي الآخرة ، وإني لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شيء ، وهو
ـ والذي ـ نفس عبادة بيده ـ القصاص يوم القيامة ، فاحرج
(5) على أحد منكم في نفسه
مني شيء من ذلك ، إلا اقتص مني قبل أن تخرج نفسي .

قال : فقالوا : بل كنت لنا والداً وكنت مؤدباً ، وما قال لخادم سوءاً قط ، قال :
أغفرتم لي ما كان من ذلك ؟ قالوا : نعم ، قالوا : نعم ، قال : اللهم أشهد ، ثم قال : أما فاحفظوا
وصيتي : أُحرج على إنسان منكم يبكي ، فإذا خرجت نفسي فتوضؤا وأحسنوا الوضوء ،
ثم ليدخل إنسان منكم مسجداً فيصلي ، ثم يستغفر لعبادة ولنفسه ، فإن الله عزوجل
قال : (
واستعينوا بالصبر والصلاة )
(6)
ثم أسرعوا بي ولا تتبعوني بنار ،
____________
(1) طه 20 : 132 .
(2) الدر المنثور 4 : 313 .
(3) البقرة 2 : 45 .
(4) الدر المنثور 1 : 68 .
(5) أي اُقسم .
(6) البقرة 2 : 45 .
( 57 )
ولا تضعوا تحتي أرجواناً
(1) (2) .
ــ
وعن جابر ، عن الباقر عليه السلام ، قال : « أشد الجزع الصراخ بالويل
والعويل ، ولطم الوجه والصدر ، وجز الشعر ، ومن أقام النواح
(3) فقد ترك الصبر ، ومن
صبر واسترجع وحمد الله ـ تعالى ـ فقد رضي بما صنع الله ، ووقع أجره على الله
ـ عزجل ـ ، ومن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء وهو ذميم ، وأحبط الله ـ عزوجل ـ
أجره »
(4) .

وعن ربعي بن عبد الله ، عن الصادق عليه السلام ، قال : « إن الصبر والبلاء
يستبقان إلى المؤمن ، يأتيه البلاء وهو صبور ، وإن الجزع والبلاء يستبقان إلى الكافر ،
فيأتيه البلاء وهو جزوع »
(5) .

وعنه عليه السلام قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ضرب المسلم يده
على فخذه عند المصيبة إحباط لأجره »
(6) .

وعن موسى بن بكر ، عن الكاظم عليه السلام ، قال : « ضرب الرجل على
فخذه عند المصيبة ، احباط أجره »
(7) .

وعن إسحاق بن عمار ، عن الصادق عليه السلام : « يا أسحاق ، لا تعدن
مصيبة اعطيت عليها الصبر ، واستوجبت عليها من الله عزوجل الثواب ، إنما المصيبة التي
يحرم صاحبها أجرها وثوابها ، إذا لم يصبر عند نزولها »
(8) .

وعن أبي ميسرة قال : كنا عند أبي عبد الله عليه السلام ، فجاءه رجل وشكا إليه
مصيبة ، فقال : « أما إنك إن تصبر تؤجر، وإن لم تصبر يمضي عليك قدر الله عزوجل
الذي قدر عليك وأنت مذموم »
(9) .
____________
(1) الأرجوان : صبغ أحمر شديد الحمرة . يعني قماشاً مصبوغاً بهذا اللون . اُنظر « الصحاح ـ رجا ـ 6 :
2352 » .
(2) أخرجه المجلسي في البحار 82 : 141 .
(3) النواح : النساء يجتمعن للنياحة على الميت ، بالبكاء وما يتبعه « لسان العرب ـ نوح ـ 2 : 627 » .
(4) الكافي 3 : 222 | 1 .
(5) الكافي 3 : 223 | 3 .
(6) الكافي 3 : 224 | 4 .
(7) الكافي 3 : 225 | 9 .
(8) الكافي 3 : 224 | 7 .
(9) الكافي 3 : 225 | 10 باختلاف يسير، وفيه : عن فضيل بن ميسر .
( 58 )
فصل

قال الصادق عليه السلام : « البلاء زين المؤمن ، وكرامة لمن عقل ، لأن في
مباشرته ، والصبر عليه ، والثبات عنده ، تصحيح نسبة الإيمان »
(1) .

قال النبي صلى الله عليه وآله : « نحن ـ معاشر الأنبياء ـ أشد بلاء ، والمؤمن
الأمثل فالأمثل ، ومن ذاق طعم البلاء تحت ستر حفظ الله له ، تلذذ به أكثر من تلذذه
بالنعمة ، ويشتاق إليه إذا فقده ، لأن تحت نيران البلاء والمحنة أنوار النعمة ، وتحت أنوار
النعمة نيران البلاء والمحنة ، وقد ينجو منه كثير ، ويهلك في النعمة كثير ، وما أثنى الله تعالى
على عبد من عباده ، من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وآله إلا بعد ابتلائه ووفاء حق
العبودية فيه ، فكرامات الله ـ تعالى ـ في الحقيقة نهايات ، بداياتها البلاء ، وبدايات
نهاياتها البلاء ، ومن خرج من شبكة البلوى جعل سراج المؤمنين ، ومؤنس المقربين ،
ودليل القاصدين ، ولا خير في عبد شكا من محنة تقدمها ألف نعمة ، واتبعها ألف راحة ،
ومن لا يقضي حق الصبر على البلاء ، حرم قضاء [ حق ]
(2) الشكر في النعماء ، كذلك
من لا يؤدي حق الشكر في النعماء ، يحرم عن قضاء [ حق ]
(3) الصبر في البلاء ، ومن
حرمهما فهو من المطرودين »
(4) .

وقال أيوب عليه السلام في دعائه : « اللهم قد أتى علي سبعون في الرخاء ،
فأمهلني حتى يأتي علي سبعون في البلاء »
(5) .

وقال وهب : البلاء للمؤمن ، كالشكال للدابة ، والعقال للإبل
(6) .

وقال أمير المؤمنين عليه السلام : « الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ، ورأس
الصبر البلاء وما يعقلها إلا العالمون »
(7) .

هذا الفصل كله من كلام الصادق عليه السلام .
____________
(1) مصباح الشريعة : 486 .
(2و3) أثبتناه ليستقيم السياق .
(4) مصباح الشريعة : 487 .
(5) مصباح الشريعة : 489 .
(6) مصباح الشريعة : 497 .
(7) مصباح الشريعة : 497 .
( 59 )
فصل

وقال الصادق عليه السلام : « الصبر يظهر ما في بواطن العباد من النور
والصفاء ، والجزع يظهر ما في بواطنهم من الظلمة والوحشة ، والصبر يدعيه كل أحد ،
ولا يبين عنده إلا المخبتون ، والجزع ينكره كل أحد ، وهو أبين على المنافقين ، لأن نزول
المحنة والمصيبة ، يخبر عن الصادق والكاذب .

وتفسير الصبر ما يستمر مذاقه ، وما كان عن اضطراب لا يسمى صبراً ، وتفسير
الجزع اضطراب القلب ، وتحزن الشخص ، وتغير اللون ، وتغير الحال ، وكل نازلة خلت
أوائلها عن الإخبات والإنابة والتضرع إلى الله تعالى ، فصاحبها جزوع غير صابر ، ( والصبر
ما أوله مر ، وآخره حلو لقوم ، ولقوم مر أوله وآخره ، فمن دخله من أواخره فقد دخل )
(1)
ومن دخله من أوائله فقد خرج ، ومن عرف قدر الصبر لا يصبر عما منه الصبر
(2) .

قال الله عزوجل في قصة موسى والخضر عليهما السلام : (
وكيف تصبر على ما لم
تحط به خبراً )
(3) فمن صبر كرهاً ولم يشك إلى الخلق ، ولم يجزع بهتك ستره ، فهو من
العام ، ونصيبه ما قال الله عزوجل: (
وبشر الصابرين )
(4) أي : بالجنة والمغفرة ، ومن
استقبل البلاء بالرحب ، وصبر على سكينة ، ووقار ، فهو من الخاص ، ونصيبه ما قال الله
عزوجل : (
ان الله مع الصابرين )
(5) »
(6) .
____________
(1) العبارة مضطربة في « ش » و « ح » : وما أثبتناه من مصباح الشريعة .
(2) مصباح الشريعة : 498 .
(3) الكهف 18 : 68 .
(4) البقرة 2 : 155 .
(5) البقرة 2 : 153 .
(6) مصباح الشريعة : 501 .