فصل
فيما يتعلق
(1) بهذا الباب
عن زيد بن أسلم قال : مات لداود عليه السلام ولد ، فحزن عليه حزناً كثيراً ، فأوحى الله إليه : « يا داود ، ما كان يعدل هذا الولد عندك ؟ قال : يا رب ، كان يعدل هذا عندي ملء الأرض ذهباً ، قال : فلك عندي يوم القيامة ملء الأرض ثواباً » (2) .
وعن داود بن أبي هند (3) قال : رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت ، وكأن الناس يدعون إلى الحساب ، قال : فقربت إلى الميزان ، ووضعت حسناتي في كفة وسيئاتي في كفة ، فرجحت السيئات على الحسنات ، فبينما أنا كذلك مغموم إذ اُتيت بمنديل أبيض ـ أو خرقة بيضاء ـ فوضعت مع حسناتي فرجحت ، فقيل لي : أتدري ما هذا ؟ قلت : لا ، قيل : هذا سقط كان لك ، قلت : فإنه كانت لي إبنة ، ( فقيل : بنتك ليست كذلك ) (4) ، لأنك كنت تتمنى موتها .
وعن أبي شوذب : ان رجلاً كان له ابن لم يبلغ الحلم ، فأرسل إلى قومه فقال : لي إليكم حاجة ، قالوا : ما هي ؟ قال : إني أريد أن أدعو على ابني هذا أن يقبضه الله تعالى ، وتؤمنون على دعائي ، قال : فسألوه عن سبب ذلك ، فأخبرهم أنه رأى في نومه (5) كأن الناس قد جمعوا ليوم القيامة ، وأصابهم عطش شديد ، فإذا الولدان قد خرجوا من الجنة معهم الأباريق ، وفيهم ابن أخ له ، فالتمس منه أن يسقيه فأبى ، وقال : يا عم ، إنا لا نسقي إلا الآباء ، فأحببت أن يجعل الله ولدي هذا فرطاً لي ، فدعا فأمنوا ، فلم يلبث الصبي حتى مات .
أخرجه البيهقي في ( الشعب ) .
وعن محمد بن خلف (6) قال : كان لإبراهيم الحربي ابن له إحدى عشرة سنة قد
____________
(1) في نسخة « ش » : مما يلتحق .
(2) رواه الشيخ ورام في تنبيه الخواطر 1 : 287 ، والسيوطي في الدر المنثور 5 : 306 باختلاف في الفاظه .
(3) في « ح » : داود بن هند ، والصواب ما أثبتناه من نسخة « ش » راجع « مجمع الرجال 2 : 279 ، الجرح والتعديل 3 : 411 | 1881 ، تهذيب التهذيب 3 : 204 | 388 ، ميزان الأعتدال 2 : 11 | 2613 » .
(4) في نسخة « ش » : فقيل لي تيك ليست لك .
(5) في نسخة « ش » : منامه .
(6) في « ح » محمد بن أبي خلف ، والصواب ما أثبتناه من نسخة « ش » ، راجع « رجال النجاشي : 270 ، ومعجم

=


( 43 )
حفظ القرآن ، ولقنه أبوه من الفقه والحديث شيئاً كثيراً ، فمات فأتيته لاعزيه ، فقال : كنت أشتهي موته ، فقلت له : يا أبا إسحاق ، أنت عالم الدنيا ، تقول مثل هذا في صبي قد أنجب ، وحفظ القرآن ، ولقنته الحديث والفقه ؟ ! قال : نعم ، رأيت في النوم كأن القيامة قد قامت ، وكأن صبياناً بأيديهم القلال (1) فيها ماء ، يستقبلون الناس يسقونهم ، وكان اليوم يوم يوماً حاراً شديد الحر . فقلت لأحدهم : إسقني من هذا الماء . فنظر إلي ، وقال : لست أنت أبي ، قلت : فأي شيء أنتم ؟ قالوا : نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا ، وخلفنا آباءنا ، فنستقبلهم ونسقيهم (2) ، فلهذا تمنيت موته .
وروى الغزالي في ( الإحياء ) : إن بعض الصالحين كان يعرض عليه التزويج برهة من دهره فيأبى ، قال : فانتبه من نومه ذات يوم ، وقال : زوجوني ، فزوجوه ، فسئل عن ذلك ، فقال : لعل ( الله أن يرزقني ) (3) ولداً ويقبضه ، فيكون لي مقدمة في الآخرة ، ثم قال : رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت ، وكأني في جملة الخلائق في الموقف ، وبي من العطش ما كاد أن يقطع قلبي ، وكذا الخلائق من شدة العطش والكرب ، فبينما نحن كذلك وإذا ولدان يتخللون الجمع ، عليهم قناديل من نور ، وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب ، يسقون الواحد بعد الواحد ، يتخللون الجمع ويتجاوزون أكثر الناس ، فمددت يدي إلى أحدهم ، فقلت : اسقني ، فقد أجهدني العطش ، فقال : مالك فينا ولد ، إنما نسقي آباءنا ، فقلت : ومن أنتم : ومن أنتم ؟ قالوا : نحن من مات من أطفال المسلمين (4) .
وحكى الشيخ أبو عبد الله بن النعمان في كتاب ( مصباح الظلام ) عن بعض الثقات : أن رجلاً أوصى بعض أصحابه ـ ممن أراد أن يحج ـ أن يقرأ سلامه رسول الله صلى الله عليه وآله ، ويدفن رقعة مختومة ـ أعطاها له ـ عند رأسه الشريف ، ففعل ذلك ، فلما رجع من حجه أكرمه الرجل وقال له : جزاك الله خيراً ، لقد بلغت الرسالة ، فتعجب المبلغ من ذلك وقال : من أين علمت تبليغها قبل أن اُحدثك ، فأنشأ يحدثه ، قال : كان لي أخ مات ، وترك ابناً صغيراً ، فربيته وأحسنت تربيته ، ثم مات
____________

=

رجال الحديث 16 : 74 ، خلاصة العلامة 1 : 161 | 154 » .
(1) القلال جمع القلة : وهي الحب العظيم أو الجرة العظيمة « القاموس المحيط 4 : 40 » .
(2) في نسخة « ش » : فنسقيهم الماء .
(3) في نسخة « ش » : الله تعالى يرزقني .
(4) إحياء علوم الدين 2 : 27 .

( 44 )
قبل أن يبلغ الحلم ، فلما كان ذات ليلة ، رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت ، والحشر قد وقع ، والناس قد اشتد بهم العطش من شدة الجهد ، وبيد ابن أخي ماء ، فالتمست أن يسقيني فأبى ، وقال : أبي أحق به منك ، فعظم علي ذلك ، فانتبهت فزعاً ، فلما أصبحت تصدقت بجملة دنانير ، وسألت الله أن يرزقني ولداً ذكراً ، فرزقنيه ، واتفق سفرك ، فكتبت لك تلك الرقعة ، ومضمونها التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله عزوجل في قبوله مني ، رجاء أن أجده يوم الفزع الأكبر ، فلم يلبث أن حم ومات ، وكان ذلك يوم وصولك ، فعلمت أنك بلغت الرسالة .
وفي كتاب ( النوم والرؤيا ) لأبي الصقر الموصلي ، حدثني علي بن الحسين بن جعفر ، حدثني أبي ، حدثني بعض أصحابنا ممن أثق بدينه وفهمه ، قال : أتيت المدينة ليلاً ، فنمت في بقيع الغرقد (1) بين أربعة قبور عندها قبر محفور ، فرأيت في منامي أربعة أطفال ، قد خرجوا من تلك القبور ، وهم يقولون :
أنعــم الله بالــحبيبـــة عينـــاً *وبـــمسراك يا اميم إلينـــا
عجباً مـــا عجبت مــن ضغـظة *القبر ومغداك يا اُميم إليـنـــا

فقلت : إن لهذه الأبيات لشأناً ، وأقمت حتى طلعت الشمس ، وإذا جنازة قد أقبلت ، فقلت : من هذه ؟ فقالوا : امرأة من أهل المدينة ، فقلت : إسمها اميمة ؟ قالوا : نعم ، قلت : قدمت فرطاً ؟ قالوا : أربعة اولاد ، فأخبرتهم بالخبر ، فأخذوا يتعجبون من هذا (2) .
وما أحسن من أنشد بعض الأفاضل ، يقول شعراً :
عطيته إذا أعطى ســـروراً*وإن سلب الـذي أعطى أثـابــا
فأي النعمتيـن أعـد فضـلاً* وأحمـد عـنـد عــقباهـا إيابا
أنعمته التي كانت ســـروراً*أم الاخرى التي جلبت ثـوابــا ؟

____________
(1) بقيع الغرقد : بالغين المعجمة ، هو مقبرة أهل المدينة « معجم البلدان :1 : 473 » .
(2) البحار 82 : 122 .

( 45 )
الباب الثاني
في الصبر وما يلحق به
الصبر في اللغة : حبس النفس من الفزع من المكروه والجزع عنه ، وإنما يكون ذلك بمنع باطنه من الاضطراب ، وأعضائه من الحركات غير المعتادة ، وهو ثلاثة أنواع :
الأول : صبر العوام ، وهو حبس النفس على وجه التجلد ، وإظهار الثبات في النائبات ، ليكون حاله عند العقلاء وعامة الناس مرضية يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (1) .
الثاني : صبر الزهاد ، والعباد ، وأهل التقوى ، وأرباب الحلم ، لتوقع ثواب الآخرة ، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (2) .
الثالث : صبر العارفين ، فإن لبعضهم التذاذاً بالمكروه ، لتصورهم أن معبودهم خصهم به من دون الناس ، وصاروا ملحوظين ( بشرف نظرته ) (3) وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة ، قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (4) .
وهذا النوع يختص باسم الرضا ، وسيأتي في باب خاص .
والأول لا ثواب عليه ، لأنه لم يفعله لله ، وإنما فعله لأجل الناس ، بل هو في الحقيقة رياء محض ، فكلما ورد في الرياءات فيه ، ولكن الجزع شر منه ، لأن النفوس البشرية تميل إلى التخلق بأخلاق النظراء والمعاشرين والخلطاء ، فيفشوا الجزع فيهم ، وإذا رأوا أحوال الصابرين مالت نفوسهم إلى التخلق بأخلاقهم ، فربما صار ذلك سبباً لكمالهم ، فيحصل منه فائدة في نظام النوع ، وإن لم يعد على هذا الصابر .
والصبر عند الإطلاق يحمل على القسم الثاني .
واعلم أن الله ـ سبحانه ـ قد وصف الصابرين بأوصاف ، وذكر الصابرين في القرآن في نيف وسبعين موضعاً ، وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر وجعلها
____________
(1) اقتباس من سورة الروم 30 : 7 .
(2) اقتباس من سورة الزمر 39 : 10 .
(3) في نسخة « ش » : بشريف نظره .
(4) اقتباس من سورة البقرة 2 : 155 ـ 157 .

( 46 )
ثمرة له ، فقال عز من قائل : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ اَئِمّةً يَهْدُونَ بِاَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا ) (1) وقال : ( وتَمَتْ كَلَمَتُ رَبِكَ الْحُسْنى عَلَى بَني اِسْرَآئيلَ بِمَا صَبَرُوا) (2) وقال تعالى : ( وَلَنَجْزينَّ الذينَ صَبَروا اجْرَهُم بِاحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون ) (3) وقال : ( اُلئِكَ يُؤْتَوْنَ اَجْرَهُمْ مَرَّتَيْن بِمَا صَبَرُوا ) (4) وقال : ( انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب ) (5) .
ــ فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر ، ولأجل كون الصوم من الصبر ، وأنه نصف الصبر (6) كان لا يتولى أجره إلا الله ـ تبارك وتعالى ـ كما ورد في الأثر .
قال الله تعالى : « الصوم لي ، وأنا اجزي به » (7) فأضافه إلى نفسه من بين سائر العبادات ، ووعد الصابرين بأنه معهم ، فقال : ( واصبروا ان الله مع الصابرين ) (8) وعلق النصرة على الصبر ، فقال : ( بلى إن تصبروا وتتّقوا ويا توكم من فورهم هذا يمددكم ربُكم
____________
(1) السجدة 32 : 24 .
(2) الأعراف 7 : 137 .
(3) النحل 16 : 96 .
(4) القصص 28 : 54 .
(5) الزمر 39 : 10 .
(6) روى ابن ماجة في سننه 1 : 555 | 1745، والسيوطي في الجامع الصغير 2 : 122 | 5200 : « الصيام نصف الصبر » .
(7) رواه الصدوق في الخصال : 45 | 42 ، ومالك في الموطأ 1 : 310 | 58 ، والبخاري في صحيحه 3 : 31 ، وابن ماجة في سننه 2 : 1256 | 3823 ، وقال ابن الاثير في النهاية : 1 : 270 بعد ذكر الحديث : قد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث ، وأنه لم خص الصوم والجزاء عليه بنفسه عزوجل ، وإن كانت العبادات كلها له وجزاؤها منه ، وذكروا فيه وجوهاً مدارها كلها على أن الصوم سر بين الله وبين والعبد لا يطّع عليه سواه ، فلا يكون العبد صائماً حقيقة إلا وهو مخلص في الطاعة ، وهذا وإن كان كما قالوا فإن غير الصوم من العبادات يشاركه في سر الطاعة ، كالصلاة على غير طهارة ، أو في ثوب نجس ونحو ذلك من الأسرار المقترنة بالعبادات التي لا يعرفها إلا الله وصاحبها . وأحسن ما سمعت في تأويل هذا الحديث أن جميع العبادات التي يتقرب بها العباد إلى الله عزوجل ـ من صلاة ، وحج ، وصدقة ، واعتكاف ، وتبتل ، ودعاء ، وقربان ، وهدي ، وغير ذلك من أنواع العبادات ـ قد عبد المشركون بها آلهتهم ، وما كانوا يتخذونه من دون الله أنداداً ، ولم يسمع أن طائفة من طوائف المشركين وأرباب النحل في الأزمان والمتقادمة عبدت آلهتها بالصوم ، ولا تقربت إليها به ، ولا عرف الصوم في العبادات إلا من جهة الشرائع ، فلذلك قال الله عزّوجلّ : الصوم لي وأنا أجزي به : أي لم يشاركني أحد فيه ، ولا عبد به غيري ، فأنا حينئذ اجزء به وأتولى الجزاء عليه بنفسي ، لا أكله إلى أحد من ملك مقرب أو غيره على قدر اختصاصه بي .
(8) الأنفال 8 : 46 .

( 47 )
بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) (1) . وجمع للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم ، فقال : ( اولئك عليه صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون ) (2) فالهدى والصلوات والرحمة مجموعة للصابرين ، واستقصاء جميع الآيات في مقام الصبر يطول .
وأما الأخبار فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « الصبر نصف الإيمان » (3) .
وقال صلى الله عليه وآله : « من أقل ما اوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ، ومن اعطي حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار ، ولئن تصبروا على مثل ما أنتم عليه ، أحب إلي من أن يوافيني كل امرئ منكم بمثل عمل جميعكم ، لكني أخاف ان تفتح عليكم الدنيا بعدي ، فينكر بعضكم بعضاً ، وينكركم أهل السماء عند ذلك ، فمن صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه ، ثم قرأ : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا ) الآية » (5) .
وروى جابر : أنه صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الإيمان ، فقال : « الصبر كنز من كنوز الجنة » ، وسئل مرة ؟ ما الايمان ، فقال : « الصبر » (6) وهذا نظير قوله عليه السلام : « الحج عرفة » (7) .
وقال صلى الله عليه وآله : « أفضل الاعمال ما اكرهت عليه النفوس » (8) .
وقيل : أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام : « تخلق باخلاقي ، وإن من أخلاقي الصبر » (9) .
____________
(1) آل عمران 3 : 125 .
(2) البقرة : 2 : 157 .
(3) شهاب الأخبار : 55 | 132 ، شرح نهج البلاغة لابن الحديد 1 : 319 ، الجامع الصغير 2 : 113 | 5130 ، الترغيب والترهيب 4 : 277 | 5 ، المستدرك على الصحيحين 2 : 446 ، الدر المنثور 1 : 66 ، إرشاد القلوب : 127 .
(4) النحل 16 : 96 .
(5) أخرجه الفيض الكاشاني في المحجة البيضاء 7 : 106 .
(6) المحجة البيضاء 7 : 107 .
(7) مسند أحمد 4 : 309 ، 310 ، 335 ، سنن ابن ماجة 2 : 1003 | 3015 ، سنن الدارمي 2 : 59 ، سنن الترمذي 4 : 282 | 4058 ، وسنن النسائي 5 : 256 ، المستدرك على الصحيحين 1 : 464 .
(8) رواه الشيخ ورام في تنبيه الخواطر عن علي عليه السلام 1 : 63 باختلاف يسير .
(9) إرشاد القلوب : 137 ، المحجة البيضاء 7 : 207 باختلاف في الفاظه .

( 48 )
وعن ابن عباس رضي الله عنه لما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الأنصار ، فقال : « أمؤمنون أنتم ؟ » فسكتوا ، فقال رجل : نعم ، يا رسول الله . فقال : « وما علامة إيمانكم ؟ » قالوا : نشكر على الرخاء ، ونصبر على البلاء ، ونرضى بالقضاء ، فقال : « مؤمنون ورب الكعبة » (1) .
وقال صلى الله عليه وآله : « في الصبر على ما يكره خير كثير » (2) .
وقال المسيح عليه السلام : « إنكم لا تدركون ما تحبون ، إلا بصبركم على ما تكرهون » .
وقال صلى الله عليه وآله : « لو كان الصبر رجلا لكان كريماً »(3) .
وقال علي عليه السلام : « بني الإيمان على أربع دعائم : اليقين ، والصبر ، والجهاد ، والعدل » (4) .
وقال أيضاً : « الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، ولا جسد لمن لا رأس له ، ولا ايمان لمن لا صبر له » (5) .
وقال علي عليه السلام : « عليكم بالصبر ، فإنه به يأخذ الحازم ، وإليه يعود الجازع » .
وقال علي عليه السلام : « إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور ، وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور » (6) .
وعن الحسن بن علي عليهما السلام ، عن النبي صلى الله عليه وآله ، قال : « إن في الجنة شجرة يقال لها : شجرة البلوى ، يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة ، فلا يرفع لهم ديوان ، ولا ينصب لهم ميزان ، يصب عليهم الأجر صباً ، وقرأ عليه السلام : ( انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب ) (7) » (8) .
____________
(1) المحجة البيضاء 7 : 107 ، ورواه باختلاف في ألفاظه محمد بن همام في التمحيص : 61 | 137 .
(2) مشكاة الأنوار : 20 ، والمحجة البيضاء 7 : 107 .
(3) تنبيه الخواطر 1 : 40 ، الجامع الصغير 2 : 434 | 7461 ، منتخب كنز العمال 1 : 208 .
(4) نهج البلاغة 3 : 157 | 30 باختلاف في ألفاظه .
(5) نهج البلاغة 3 : 168 | 82 ، الكافي 2 : 72 | 4 و 5 ، جامع الأخبار : 135 باختلاف يسير ، وروي باختلاف في ألفاظه في التمحيص : 64 | 148 ومشكاة الأنوار : 21 .
(6) نهج البلاغة 3 : 224 | 291 ، جامع الأخبار : 136 .
(7) الزمر 39 : 10 .
(8) الدر المنثور 5 : 323 .

( 49 )
وعنه عليه السلام ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « ما من جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعة غيظ كظمها رجل ، أو جرعة صبر على مصيبة ، وما من قطرة أحب إلى الله تعالى من قطرة دمع من خشية الله ، أو قطرة دم أهرقت في سبيل الله » (1) .
وعنه عليه السلام : « المصائب مفاتيح الأجر » .
وعن زين العابدين عليه السلام : « إذا جمع الله الأولين والآخرين ينادي منادٍ : أين الصابرون ؟ ليدخلوا الجنة بغير حساب ، قال : فيقوم عنق من الناس ، فتتلقاهم الملائكة ، فيقولون : إلى أين ، يا بني آدم ؟ ! فيقولون : إلى الجنة ، فيقولون : وقبل الحساب ؟ ! فقالوا : نعم ، قالوا : ومن أنتم ؟ قالوا : الصابرون . قالوا وما كان صبركم ؟ قالوا : صبرنا على طاعة الله ، وصبرنا عن معصية الله ، حتى توفانا الله عزوجل ، قالوا، أنتم كما قلتم ، أدخلوا الجنة ، فنعم أجر العاملين » (2) .
وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « قال الله عزوجل : إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ، ثم أستقبل ذلك بصبر جميل ، استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً ، أو أنشر له ديواناً » (3) .
وعن أبن مسعود ، عنه صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : « ثلاث من رزقهن فقد رزق خير الدارين : الرضا بالقضاء ، والصبر على البلاء ، والدعاء في الرخاء » (4) .
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال : « يا غلام ـ أو ياغليم ـ ألا اعلمك كلمات ينفعك الله بهن ؟ فقلت : بلى ، فقال : إحفظ الله يحفظك ، إحفظ الله تجده أمامك ، تعرف ( إلى الله ) (5) في الرخاء يعرفك في الشدة ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً ، وأنّ النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسراً » (6) .
____________
(1) الدر المنثور 2 : 74 .
(2) كشف الغمة 2 : 103 باختلاف يسير ، وروي باختلاف في الفاظه في أمالي الطوسي 1 : 100 ، وفقه الرضا : 368 ، وتنبيه الخواطر 2 : 180 .
(3) جامع الأخبار : 136 ، الجامع الصغير 2 : 242 | 6043 ، منتخب كنز العمال 1 : 210 .
(4) دعوات الراوندي : 121 | 289 ، المستطرف 2 : 70 ، باختلاف يسير .
(5) في « ح » : إليه .
(6) مسند أحمد 1 : 307 ، الدر المنثور 1 : 66 . وروي باختلاف يسير في مشكاة الانوار : 20 .

( 50 )
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : « يؤتى الرجل في قبره بالعذاب ، فإذا أُتي من قبل رأسه دفعه تلاوة القرآن ، وإذا أُتي من قبل يديه دفعته الصدقة ، وإذا أتي من قبل رجليه دفعه مشيه إلى المسجد (1) ، والصبر حجزه ، يقول : أما لو رأيت خللاً لكنت صاحبه » .
وفي لفظ آخر : « إذا دخل الرجل القبر قامت الصلاة عن يمينه ، والزكاة عن شماله ، والبر يظل عليه ، والصبر بناحية (2) يقول : دونكم صاحبي ، فإني من ورائه ، يعني : إن استطعتم أن تدفعوا عنه العذاب ، وإلا فأنا أكفيكم ذلك ، وأدفع عنه العذاب » (3) .
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : « عجباً لأمر المؤمن ، إن أمره كله له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له » (4) .
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : « ألا أجبكم إن المؤمن إذا أصاب خيراً حمد الله وشكر ، وإذا اصابته مصيبة حمد الله وصبر ، فالمؤمن ، يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يرفعها إلى فيه».
وفي حديث آخر : « حتى اللقمة يرفعها إلى فم امرأته » (5) .
وعنه صلى الله عليه وآله : « الصبر خير مركب ، ما رزق الله عبداً خيراً له ولا أوسع من الصبر » (6) .
وسئل صلى الله عليه وآله : هل من رجل يدخل الجنة بغير حساب ؟ قال : « نعم ، كل رحيم صبور » .
وعن أبي بصير ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : « إن الحر حر على
____________
(1) الترغيب والترهيب 4 : 373 .
(2) يقال : هو في ناحية أو بناحية أي مبتعد. انظر « مجمع البحرين ـ نحا ـ 1 : 410 » .
(3) روى عن أبي عبد الله في الكافي 2 : 73 | 8 ، وثواب الاعمال : 203 | 1 ومشكاة الانوار : 26 باختلاف في الفاظه .
(4) مسند أحمد 4 : 332 ، صحيح مسلم 4 : 2295 | 2999 ، الترغيب والترهيب 4 : 278 | 7 .
(5) مسند أحمد 1 : 182 و 177 و 173 ، الجامع الصغير 2 : 148 باختلاف في الفاظه .
(6) مسند أحمد 3 : 47 ، سنن الترمذي 3 : 252 | 2093 ، المستدرك 2 : 414 ، الجامع الصغير 2 : 496 | 7911 . وفيها : «ما رزق الله عبداً . . . . »

( 51 )
جميع أحواله ، إن نابته نائبة صبر لها ، وإن تراكمت عليه المصائب لم تكسره ، وإن أُسر وقهر واستبدل باليسر عسراً ، كما كان يوسف الصديق الأمين عليه السلام ، لم يضرر حريته أن استعبد وأُسر وقهر ، ولم تضرره ظلمة الجب ووحشته ، وما ناله أن من الله عليه ، فجعل الجبار العاتي له عبداً بعد أن كان ملكاً ، فأرسله ورحم به أمة ، وكذلك الصبر يعقب خيراً ، فاصبروا ووطنوا أنفسكم على الصبر تؤجروا » (1) .
ــ وعن الباقر عليه السلام : « الجنة محفوفة بالمكاره والصبر ، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة ، وجهنم محفوفة باللذات والشهوات ، فمن اعطى نفسه لذّاتها وشهوتها دخل النار»(2).
وعن عليّ عليه السلام ، قال : «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : الصبر ثلاثة : صبر عند المصيبة ، وصبر على الطاعة ، وصبر عن المعصية ، فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاث مائة درجة ، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض ، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ست مائة درجة ، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش ، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسع مائة درجة ، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش » (3) .
وعن أبي حمزة الثمالي ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : « من ابتلي من المؤمنين ببلاء فصبر عليه ، كان له مثل أجر ألف شهيد » (4) .
وعن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله : قال الله عزوجل : إني جعلت الدنيا بين عبادي قرضاً ، فمن أقرضني منها قرضاً أعطيته بكل واحدة عشراً إلى سبعة مئة ضعف وما شئت من ذلك ، ومن لم يقرضني منها قرضاً فأخذت منه شيئاً قسراً ، أعطيته ثلاث خصال ، لو أعطيت واحدة منهن ملائكتي لرضوا بها مني .
____________
(1) الكافي 2 : 73 | 6 ، مشكاة الأنوار : 21 .
(2) الكافي 2 : 73 | 7 .
(3) الكافي 2 : 75 | 15 ، تنبيه الخواطر 1 : 40 ، جامع الأخبار : 135 ، الجامع الصغير 2 : 114 | 5137 منتخب كنز العمال 1 : 208 .
(4) رواه الكليني في الكافي 2 : 75 | 17 ، وسبط الطبرسي في مشكاة الأنوار : 26 رواه باختلاف في ألفاظه الحسين بن سعيد الأهوازي في كتاب المؤمن : 16 | 8 ، وابن همام في التمحيص : 59 | 125 .

( 52 )
ثم تلا أبو عبد الله عليه السلام قول الله عزوجل : ( الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم ) فهذه (1) واحدة من ثلاث خصال ( ورحمة ) إثنان ( واولئك هم المهتدون ) (2) ثلاث .
ثم قال أبو عبد الله عليه السلام : « هذا لمن أُخذ منه شيئاً قسراً » (3) .
____________
(1) في نسخة « ش » ثم قال أبو عبد الله عليه السلام : فهذه .
(2) البقرة 2 : 156 ـ 157 .
(3) الكافي 2 : 76 | 21 ، الخصال : 130 | 135 ، مشكاة الأنوار : 279 .

( 53 )
فصل
وعنه عليه السلام : « الضرب على الفخذ عند المصيبة يحبط الأجر (1) ، والصبر عند الصدمة الأولى أعظم ، وعظم الأجر على قدر المصيبة ، ومن استرجع بعد المصيبة جدد الله له أجرها كيوم أُصيب بها » .
وسأل رجل النبي صلى الله عليه وآله : ما يحبط الأجر في المصيبة ؟ فقال : « تصفيق الرجل بيمينه على شماله ، والصبر عند الصدمة الأولى ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فعليه السخط » .
وعن اُم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : « ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم آجرني في مصيبتي ، واخلف لي خيراً منها ، إلا آجره الله تعالى في مصيبته ، واخلف له خيراً منها » .
قالت : فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأخلف لي خيراً منه : رسول الله صلى الله عليه وآله (2) .
وفي لفظ آخر: أنّها سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول : «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله عزّوجلّ : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، اللهّم آجرني في مصيبتي ، واخلف لي خيراً منه» قالت: فلمّا مات أبو سلمة رضي الله عنه ، قلت : أيّ رجل خير من أبي سلمة ! أول بيت هاجر إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله ، ثم إنّي قلتها فأخلف الله لي رسول الله صلّى الله عليه وآله.
[ قالت : أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله ] (3) بحاطب ابن أبي بلتعة يخطبني ، فقلت له : إن لي بنتاً وأنا غيور ، فقال : « أما بنتها فادعوالله أن يغنيها عنها ، وأدعو الله أن يذهب بالغيره » (4) .
وفي حديث آخر : قالت : أتاني أبو سلمة يوماً من عند رسول الله صلى الله عليه
____________
(1) روى الصدوق في الفقيه 4 : 298 | 900 نحوه .
(2) صحيح مسلم 2 : 632 | 4 ، الترغيب والترهيب 4 : 336 | 2 باختلاف يسير .
(3) أثبتناه من البحار .
(4) الترغيب والترهيب 4 : 336 | 2 .

( 54 )
وآله فقال : سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله قولاً سررت به ، قال : « لا يصيب أحداً من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول : اللهم آجرني في مصيبتي ، واخلف لي خيراً منها ، إلا فعل ذلك به » . قالت اُم سلمة : فحفظت ذلك منه ، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت : اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منه ، ثم رجعت إلى نفسي فقلت : من أين لي خير من أبي سلمة : فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا ادبغ إهاباً (1) ، فغسلت يدي من القرظ (2) وأذنت له ، فوضعت له وسادة أدم (3) حشوها ليف فقعد عليها ، فخطبني إلى نفسي صلى الله عليه وآله .
فلما فرغ من مقالته قلت : يا رسول الله ، ما بي أن لا يكون لك الرغبة ، ولكني امرأة في غيرة شديدة ، فأخاف أن ترى مني شيئاً يعذبني الله به ، وأنا امرأة قد دخلت في السن ، وأنا ذات عيال .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : « أما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك ، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي » قالت : فقد سلمت نفسي لرسول الله ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقالت أم سلمة : فقد أبدلني الله عزوجل بأبي سلمة خيراً منه : النبي صلى الله عليه وآله (4) .
وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إن للموت فزعاً ، فإذا أتى أحدكم وفاةُ أخيه فليقل : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ، اللهم اكتبه عندك من المحسنين ، واجعل كتابه في عليين ، واخلف على عنقه في الآخرين ، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده » (5) .
وعن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام : « إن النبي صلى الله عليه وآله قال : من اصابته مصيبة فقال إذا ذكرها : إنا لله وإنا إليه راجعون ، جدد الله
____________
(1) الإرهاب : الجلد من البقر والغنم والوحش ما لم يدبغ « لسان العرب 1 : 217 » .
(2) القرظ : شجر يدبغ به ، وقيل : هو ورق السلم يدبغ به الادم . ومنه اديم مقروظ . « لسان العرب 7 : 454 » .
(3) الأديم : الجلد ما كان ، وقيل الأحمر ، وقيل : هو المدبوغ « لسان العرب 12 : 9 » .
(4) مسند أحمد 4 : 27 ، والبحار 82 : 139 .
(5) الجامع الكبير 1 : 265 ، الفتوحات الربانية 4 : 124 ، والبحار 82 : 141 .

( 55 )
ـ عز وجل ـ له أجرها ، مثل ما كان له يوم أصابته » (1) .
____________
(1) الجامع الكبير 1 : 747 ، والبحار 82 : 141 .
( 56 )
فصل
وعن يوسف بن عبد الله بن سلام : ان النبي صلى الله عليه وآله كان إذا نزل بأهله شدة أمرهم بالصلاة ، ثم قرأ : ( وامر اهلك بالصلاة واصطبر عليها ) (1)(2) .
وعن ابن عباس أنه نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر فاسترجع ، ثم تنحى عن الطريق فأناخ ، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول : ( واستعينوا بالصبر والصلاة وانها كبيرة إلا على الخاشعين ) (3) (4) .
وعنه أيضاً أنه كان إذا أُصيب بمصيبة قام وتوضأ وصلى ركعتين ، وقال : اللهم قد فعلت ما أمرتنا ، فأنجز لنا ما وعدتنا .
وعن عبادة بن محمد بن عبادة بن الصامت ، قال : لما حضرت عبادة ـ رضي الله عنه ـ الوفاة قال : أخرجوا فراشي إلى الصحن ـ يعني : الدار ـ ففعلوا ، ثم قال : إجمعوا لي موالي وخدمي وجيراني ومن كان يدخل علي ، فجمعوا .
فقال : إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي علي من الدنيا ، وأول ليلة من ليالي الآخرة ، وإني لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شيء ، وهو ـ والذي ـ نفس عبادة بيده ـ القصاص يوم القيامة ، فاحرج (5) على أحد منكم في نفسه مني شيء من ذلك ، إلا اقتص مني قبل أن تخرج نفسي .
قال : فقالوا : بل كنت لنا والداً وكنت مؤدباً ، وما قال لخادم سوءاً قط ، قال : أغفرتم لي ما كان من ذلك ؟ قالوا : نعم ، قالوا : نعم ، قال : اللهم أشهد ، ثم قال : أما فاحفظوا وصيتي : أُحرج على إنسان منكم يبكي ، فإذا خرجت نفسي فتوضؤا وأحسنوا الوضوء ، ثم ليدخل إنسان منكم مسجداً فيصلي ، ثم يستغفر لعبادة ولنفسه ، فإن الله عزوجل قال : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) (6) ثم أسرعوا بي ولا تتبعوني بنار ،
____________
(1) طه 20 : 132 .
(2) الدر المنثور 4 : 313 .
(3) البقرة 2 : 45 .
(4) الدر المنثور 1 : 68 .
(5) أي اُقسم .
(6) البقرة 2 : 45 .

( 57 )
ولا تضعوا تحتي أرجواناً (1) (2) .
ــ وعن جابر ، عن الباقر عليه السلام ، قال : « أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل ، ولطم الوجه والصدر ، وجز الشعر ، ومن أقام النواح (3) فقد ترك الصبر ، ومن صبر واسترجع وحمد الله ـ تعالى ـ فقد رضي بما صنع الله ، ووقع أجره على الله ـ عزجل ـ ، ومن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء وهو ذميم ، وأحبط الله ـ عزوجل ـ أجره » (4) .
وعن ربعي بن عبد الله ، عن الصادق عليه السلام ، قال : « إن الصبر والبلاء يستبقان إلى المؤمن ، يأتيه البلاء وهو صبور ، وإن الجزع والبلاء يستبقان إلى الكافر ، فيأتيه البلاء وهو جزوع » (5) .
وعنه عليه السلام قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ضرب المسلم يده على فخذه عند المصيبة إحباط لأجره » (6) .
وعن موسى بن بكر ، عن الكاظم عليه السلام ، قال : « ضرب الرجل على فخذه عند المصيبة ، احباط أجره » (7) .
وعن إسحاق بن عمار ، عن الصادق عليه السلام : « يا أسحاق ، لا تعدن مصيبة اعطيت عليها الصبر ، واستوجبت عليها من الله عزوجل الثواب ، إنما المصيبة التي يحرم صاحبها أجرها وثوابها ، إذا لم يصبر عند نزولها » (8) .
وعن أبي ميسرة قال : كنا عند أبي عبد الله عليه السلام ، فجاءه رجل وشكا إليه مصيبة ، فقال : « أما إنك إن تصبر تؤجر، وإن لم تصبر يمضي عليك قدر الله عزوجل الذي قدر عليك وأنت مذموم » (9) .
____________
(1) الأرجوان : صبغ أحمر شديد الحمرة . يعني قماشاً مصبوغاً بهذا اللون . اُنظر « الصحاح ـ رجا ـ 6 : 2352 » .
(2) أخرجه المجلسي في البحار 82 : 141 .
(3) النواح : النساء يجتمعن للنياحة على الميت ، بالبكاء وما يتبعه « لسان العرب ـ نوح ـ 2 : 627 » .
(4) الكافي 3 : 222 | 1 .
(5) الكافي 3 : 223 | 3 .
(6) الكافي 3 : 224 | 4 .
(7) الكافي 3 : 225 | 9 .
(8) الكافي 3 : 224 | 7 .
(9) الكافي 3 : 225 | 10 باختلاف يسير، وفيه : عن فضيل بن ميسر .

( 58 )
فصل
قال الصادق عليه السلام : « البلاء زين المؤمن ، وكرامة لمن عقل ، لأن في مباشرته ، والصبر عليه ، والثبات عنده ، تصحيح نسبة الإيمان » (1) .
قال النبي صلى الله عليه وآله : « نحن ـ معاشر الأنبياء ـ أشد بلاء ، والمؤمن الأمثل فالأمثل ، ومن ذاق طعم البلاء تحت ستر حفظ الله له ، تلذذ به أكثر من تلذذه بالنعمة ، ويشتاق إليه إذا فقده ، لأن تحت نيران البلاء والمحنة أنوار النعمة ، وتحت أنوار النعمة نيران البلاء والمحنة ، وقد ينجو منه كثير ، ويهلك في النعمة كثير ، وما أثنى الله تعالى على عبد من عباده ، من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وآله إلا بعد ابتلائه ووفاء حق العبودية فيه ، فكرامات الله ـ تعالى ـ في الحقيقة نهايات ، بداياتها البلاء ، وبدايات نهاياتها البلاء ، ومن خرج من شبكة البلوى جعل سراج المؤمنين ، ومؤنس المقربين ، ودليل القاصدين ، ولا خير في عبد شكا من محنة تقدمها ألف نعمة ، واتبعها ألف راحة ، ومن لا يقضي حق الصبر على البلاء ، حرم قضاء [ حق ] (2) الشكر في النعماء ، كذلك من لا يؤدي حق الشكر في النعماء ، يحرم عن قضاء [ حق ] (3) الصبر في البلاء ، ومن حرمهما فهو من المطرودين » (4) .
وقال أيوب عليه السلام في دعائه : « اللهم قد أتى علي سبعون في الرخاء ، فأمهلني حتى يأتي علي سبعون في البلاء » (5) .
وقال وهب : البلاء للمؤمن ، كالشكال للدابة ، والعقال للإبل (6) .
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : « الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ، ورأس الصبر البلاء وما يعقلها إلا العالمون » (7) .
هذا الفصل كله من كلام الصادق عليه السلام .
____________
(1) مصباح الشريعة : 486 .
(2و3) أثبتناه ليستقيم السياق .
(4) مصباح الشريعة : 487 .
(5) مصباح الشريعة : 489 .
(6) مصباح الشريعة : 497 .
(7) مصباح الشريعة : 497 .

( 59 )
فصل
وقال الصادق عليه السلام : « الصبر يظهر ما في بواطن العباد من النور والصفاء ، والجزع يظهر ما في بواطنهم من الظلمة والوحشة ، والصبر يدعيه كل أحد ، ولا يبين عنده إلا المخبتون ، والجزع ينكره كل أحد ، وهو أبين على المنافقين ، لأن نزول المحنة والمصيبة ، يخبر عن الصادق والكاذب .
وتفسير الصبر ما يستمر مذاقه ، وما كان عن اضطراب لا يسمى صبراً ، وتفسير الجزع اضطراب القلب ، وتحزن الشخص ، وتغير اللون ، وتغير الحال ، وكل نازلة خلت أوائلها عن الإخبات والإنابة والتضرع إلى الله تعالى ، فصاحبها جزوع غير صابر ، ( والصبر ما أوله مر ، وآخره حلو لقوم ، ولقوم مر أوله وآخره ، فمن دخله من أواخره فقد دخل ) (1) ومن دخله من أوائله فقد خرج ، ومن عرف قدر الصبر لا يصبر عما منه الصبر (2) .
قال الله عزوجل في قصة موسى والخضر عليهما السلام : ( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ) (3) فمن صبر كرهاً ولم يشك إلى الخلق ، ولم يجزع بهتك ستره ، فهو من العام ، ونصيبه ما قال الله عزوجل: ( وبشر الصابرين ) (4) أي : بالجنة والمغفرة ، ومن استقبل البلاء بالرحب ، وصبر على سكينة ، ووقار ، فهو من الخاص ، ونصيبه ما قال الله عزوجل : ( ان الله مع الصابرين ) (5) » (6) .
____________
(1) العبارة مضطربة في « ش » و « ح » : وما أثبتناه من مصباح الشريعة .
(2) مصباح الشريعة : 498 .
(3) الكهف 18 : 68 .
(4) البقرة 2 : 155 .
(5) البقرة 2 : 153 .
(6) مصباح الشريعة : 501 .